في مرحلة تشهد تحوّلات هيكلية في النظام الدولي، برز انضمام دول الخليج إلى مجموعة بريكس+ كإشارة عميقة إلى تطوّر موقعها في الخارطة الجيو-اقتصادية. فبعد توسعة المجموعة لتشمل المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مصر، إيران، وإثيوبيا، باتت “بريكس+” تُجسّد واقعًا متعدد الأقطاب يتجاوز الصراع التقليدي بين الغرب والشرق.
انخراط دول الخليج في هذا التكتّل لا يُعدّ اصطفافًا إيديولوجيًا، بل تحركًا محسوبًا يعكس سعيًا إلى تنويع الشراكات الاستراتيجية، والانفتاح على مسارات موازية لتعزيز النفوذ الاقتصادي والاستثماري. ففي ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع فاعلية المؤسسات المالية الغربية، تسعى دول الخليج إلى التموقع كمحور استثماري مرن، قادر على الربط بين مصالح متباينة، والمساهمة في إعادة هندسة منظومة الحوكمة العالمية.
الخليج بين تعددية الشراكات والاستقلالية الاستراتيجية
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لا يُمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن التحولات الأعمق في مقاربتها للعلاقات الدولية. فقد انتقلت من نموذج التحالف الأحادي، الذي ارتكز لعقود على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، إلى نمطٍ أكثر تعددية ومرونة، يُراعي التوازنات الجديدة في الاقتصاد العالمي، ويمنحها هامش مناورة أوسع في إدارة علاقاتها الخارجية.
هذا التحوّل لا يعني القطيعة مع الغرب، بل يعكس إدراكًا خليجيًا متزايدًا بأن تعددية الشراكات باتت شرطًا للحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية، وأن الاعتماد الحصري على أقطاب تقليدية لم يعد يواكب التغيرات الديناميكية في مراكز النفوذ السياسي والتجاري والتقني.
دوافع الانضمام إلى بريكس+: بحث عن توازن وتأثير
يتقاطع هذا التوجّه مع جملة من الدوافع المتداخلة. أولًا، شعور متزايد بأن البنية المؤسسية للنظام المالي العالمي، لا سيما تلك الخاضعة للنفوذ الغربي كمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد، لم تعد تعبّر بدقة عن الأوزان الاقتصادية الفعلية، ولا تتيح تمثيلًا متوازنًا للدول الصاعدة.
دول الخليج، التي تدير مجتمعةً أكثر من 3 تريليونات دولار عبر صناديقها السيادية، ترى في بريكس+ إطارًا واعدًا لإعادة التوازن في آليات القرار الاقتصادي العالمي.
ثانيًا، تفرض الجغرافيا الاقتصادية الجديدة أولوية لتمتين العلاقات مع الأسواق الآسيوية والأفريقية. فالصين باتت الشريك التجاري الأول للسعودية والإمارات وقطر، فيما تُعد الهند منصة حيوية للتكنولوجيا ورأس المال البشري. ضمن هذا الإطار، يشكل انخراط الخليج في بريكس+ خطوة لتعزيز الشراكات الآسيوية ضمن مظلة مؤسسية مرنة ومتعددة الأطراف.
ثالثًا، يتماشى هذا الانفتاح مع فلسفة براغماتية في السياسة الخارجية الخليجية، تسعى إلى تخفيف الارتباط الحصري بالمحاور الكلاسيكية، والتموضع كفاعل مستقل قادر على الجمع بين المصالح المتقاطعة.
أدوات الحضور الخليجي داخل بريكس+: الطاقة، التمويل، الاستثمار
تحمل دول الخليج إلى طاولة بريكس+ أوراقًا نوعية تتيح لها التأثير بفعالية.
في طليعتها قطاع الطاقة، حيث تُعد السعودية والإمارات وقطر من أبرز مصدّري النفط والغاز عالميًا، وتمتلك سياسات قادرة على التأثير في معادلات السوق، بما يمنحها وزنًا تفاوضيًا واضحًا، خصوصًا في ملفات الانتقال الطاقي وأمن الإمدادات.
على المستوى المالي، يزداد الحديث داخل بريكس عن تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. ورغم ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار، إلا أن التجربة تُظهر انفتاحًا تدريجيًا على استخدام العملات المحلية في التبادلات مع الصين والهند، وهو مسار قد يتعزز مع الوقت ضمن أطر دفع ثنائية أو إقليمية.
أما على صعيد الاستثمار، فتلعب الصناديق السيادية الخليجية دورًا محوريًا في تمويل مشاريع داخل دول بريكس، لا سيما في البنية التحتية والرقمنة والتحول الصناعي. هذه الصناديق، التي تمتلك خبرات واسعة في إدارة الأصول، تضيف بعدًا مؤسسيًا وماليًا يعزّز من كفاءة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.
تحديات التكتل وتوازنات الخليج الدقيقة
رغم ما توفره بريكس+ من فرص، فإن المشاركة الخليجية لا تخلو من تحديات معقّدة.
فالتنوّع الكبير في توجهات الدول الأعضاء، من حيث السياسات والنماذج الاقتصادية، قد يُحد من القدرة على اتخاذ قرارات موحدة أو بناء أجندة استراتيجية متجانسة.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود أطراف ذات علاقة متوترة مع الغرب – مثل روسيا وإيران – يضع دول الخليج أمام معادلة توازن دقيقة، تتطلّب دبلوماسية مرنة وقدرة عالية على الفصل بين المسارات السياسية والاقتصادية.
كما أن بعض الشركاء الغربيين قد ينظرون إلى هذا الانخراط كتحوّل استراتيجي، الأمر الذي قد يطرح تساؤلات حول الالتزامات السابقة، ويزيد من تعقيد التوازن في العلاقات الثنائية. ومع ذلك، يُمكن النظر إلى هذه الازدواجية كمصدر قوة تفاوضية، تسمح للخليج بلعب دور الوسيط والموازن في منظومة متعددة الأقطاب.
الانخراط الخليجي في بريكس+: تموضع ذكي وفرصة للمشاركة في صياغة التوازنات الاقتصادية
إذا ما أُحسن توظيفه، يُمكن أن يُمثّل انضمام دول الخليج إلى بريكس+ أداة استراتيجية لإعادة تعريف موقعها في بنية النظام الدولي.
فمع تصاعد الدعوات لإصلاح مجلس الأمن، وتحديث مؤسسات بريتون وودز، وإعادة توزيع الأدوار في سلاسل القيمة العالمية، تبرز إمكانية حقيقية لأن تضطلع دول الخليج بدورٍ أكبر، لا كمموّل أو مزوّد للطاقة فقط، بل كمشارك فعّال في صياغة أجندات الإصلاح.
وبالنظر إلى تموضعها الراسخ في مجال الطاقة والتمويل، وبناءها شبكات شراكة متنوعة، تستطيع دول الخليج أن تطرح رؤى عملية في ملفات الأمن الغذائي، التحوّل الرقمي، الابتكار المالي، وتمويل التنمية، خصوصًا في بلدان الجنوب.
الرهان لا يكمن في العضوية الشكلية، بل في القدرة على تحويل هذه المنصة إلى مساحة للتأثير، من خلال المبادرات والمساهمات الفعلية، ورسم دور جديد يقوم على الوعي بالتحوّلات، والتفاعل معها، لا الاكتفاء برد الفعل.
المصادر
European Council on Foreign Relations (ECFR), 2024 – “The GCC and BRICS+: Navigating the Emerging Geoeconomic Landscape”-
Chatham House, 2023 – “The Gulf States in a Multipolar Order”-
IMF – Regional Economic Outlook: Middle East and Central Asia, May 2024-
Sovereign Wealth Fund Institute (SWFI), 2024 – GCC Sovereign Fund Strategies-
Financial Times, 2024 – “BRICS Expansion and the Gulf’s New Investment Diplomacy”-
World Bank – Global Economic Prospects, 2024-
Al-Monitor / Al Jazeera Business, 2024 – Analysis on Saudi and UAE accession to BRICS-
Brookings Doha Center, 2023 – “Strategic Balancing: The Gulf between China and the West”-

